سرآب العمر
07-18-2009, 09:38 AM
http://www.almeshkat.com/vb/images/bism.gif
http://www.almeshkat.com/vb/images/slam.gif
أي إخوتي؛
رعاكُمُ الرّحمنُ -
http://www.alshamsi.net/thekr2.gif
التأسي به صلى الله عليه وسلم
إن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وألزم كل مسلم أن يسير على هديه، وأن يحذو حذوه، والسيرة تضمن لنا التعرف على ذلك من حياته صلى الله عليه وسلم، فهي السجل الحي الذي ينقل لنا الكلمة والحركة، والموقف من القضايا، والسلوك المتخذ إزاء الحوادث... فنكون على صلة بتصرفاته في تطبيقاتها العملية، لا أمام مجرد أوامر وتعليمات لم تلامس واقع الناس، ولم تتعرض لحرارة الاحتكاك به، مما يساعدنا على انتهاج مسلك الرشد وسلوك السبيل السوي الذي به النجاة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إن مشيئة الله شاءت أن تكون رسالة الإسلام هي منهج الحياة الذي أراد الله تعالى لعباده أن يسيروا على هديه، ولما كان ذلك كذلك، كان من رحمة الله بعباده أن جعل من مهمة حامل الرسالة " أن يؤديها بيانا عمليا في واقع الحياة، بكل ما في هذا الواقع من ملابسات ومفاجآت، حتى تكون " حياته " منارا لعباد الله في كل الظروف وعلى اختلاف الأيام.
وفي القرآن آيات كثيرة تبين هذا المعنى وتؤكده ومن ذلك، قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].
وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [ سورة آل عمران /31 ].
قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل).
ونحن كثيرا ما نستشهد بالآية الكريمة على ضرورة اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أموره، وفي كل عمل من أعماله، وفي كل شأنه من شئونه... بحيث تكون سيرته نصب عيني كل مسلم فيتأسى به ويسير على هديه.
وإذا علمنا أن هذه الآية نزلت في مناسبة غزوة الأحزاب.. علمنا أن هذا التأسي ليس قاصرا على قضايا السلم، بل هو إلزام في أوقات الأزمات، حيث يكون التأسي به صلى الله عليه وسلم ثباتا في الجأش، وقوة في الأعصاب، وصبرا جميلا في مواجهة المصاعب. وهذا هو الميدان الأول الذي نزلت الآية الكريمة في مواجهته.
قال صاحب الظلال: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان، وإن دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم، لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتطلب نفسه القدوة الطيبة، ويذكر الله ولا ينساه) .
وتؤكد آية (آل عمران) معنى ما جاءت به آية الأحزاب، وتضيف إليه: أن اتباعه صلى الله عليه وسلم والتأسي به، هو التعبير الصادق عن الحب لله تعالى، وهو بالتالي الوسيلة لحصول العبد على محبة الله تعالى له، وتلك هي الغاية التي يسعى إليها كل مسلم ومؤمن.
ولم يرد وصف الأسوة الحسنة على إطلاقها في القرآن الكريم إلا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء وذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].
وإنما كان وحده عليه السلام الذي تمثلت فيه الأسوة الكاملة المطلقة دون غيره من الأنبياء والمرسلين لأمور منها:
أولاً:
أن الرسل غيره كانوا رسلا قوميين، كل رسول منهم أرسل إلى جماعة خاصة محدودة الزمان والمكان، ولهذا جاءت الأسوة فيه وفق هذه الحدود وفي نطاقها، أما محمد عليه السلام فقد جاء رسولاً للعالمين، ورسالته عامة وباقية على امتداد الزمان والمكان، ولهذا وجب أن تكون الأسوة فيه مطلقة، تتكامل جوانبها ليجد فيها كل الناس مثلهم العليا على اختلاف قومياتهم، وامتداد بيئاتهم، وتوالي أجيالهم.
ثانيا:
أن حياة الرسل غير محمد حياة خافية في أكثر جوانبها السلوكية لا يعرف الناس الكثير منها حتى الخاصة منهم لأن اتباع الرسل لم يهتموا بتسجيل حياتهم، وتتبع مواقفها العامة والخاصة،وتسجيلها وحفظها ليجد الناس فيها أمثلة للأسوة في شتى مواقف الحياة.
أما حياة محمد عليه السلام فهي واضحة جلية مسجلة بكل نبضاتها وشتى مواقفها في مراحلها المتعاقبة منذ أن ولد وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وهي حياة حافلة بالجوانب المضيئة، وكل نبضة من نبضاتها هي مثل أعلى للأسوة الحسنة، يتأسى بها طلاب الفضيلة العالية والسجايا الإنسانية الرفيعة.
يقول مسلم هندي: "إن سيرته صلى الله عليه وسلم معروفة منذ نعومة أظافره إلى أن اختاره الله لجواره، لاسيما الفترة التي أدى فيها الرسالة، ولست أغالي إذا قلت: إنني أعرفه أكثر مما أعرف أبوي، ثم أليس من العجيب، أننا لا نجد فيما أثر عنه – على كثرته – إلا كل ما يدعو إلى الاحترام والإعجاب ؟!.
غيره من الأنبياء مضروب عليه حجاب من الغموض والأساطير، ولا نعرف من حياتهم اليومية إلا القليل، وما يحكي عنهم يشبه كلام الكهان"
ثالثا:
أن الرسل غير محمد لم يكتمل لواحد منهم تمثل الحياة في جميع جوانبها كما توفرت له عليه السلام، ولم تتهيأ مقتضيات الفضائل لواحد منهم كما تهيأت له، وليس فيهم من تعرض لممارسة ألوان النشاط البشري جميعا كما تعرض لها عليه السلام، فقد نشأ عليه السلام يتيما فقيرا، وعاش حياته مجاهدا، ومارس أنشطة الحياة البشرية راعيا وتاجرا، جنديا وقاضيا، داعيا ومعلما، وتقلب في أدوار الحياة زوجا، وأبا، وصديقا، وجارا، وسيدا، وحليفا.
ذاق مرارة الاضطهاد بين أهله، وذاق مرارة الاغتراب بعيدا عن أهله، عاش حياة الفاقة، ومسك بيديه مفاتيح الدنيا، تألب عليه الغريب والبعيد، ودان له السادة والأقوياء،وعاش الحرب هزيمة ونصرا، عرض نفسه على الأحياء فارا بدينه مهاجرا برسالته، عاش حياة العزة والمنعة سيدا مطاعا عزيز الجوار، لم يفته موقف من مواقف الحياة إلا وقد تمرس به فعايش الحياة في رحابتها وتشابك أحداثها وتعدد جوانب النشاط فيها، فخرج منها جميعا مثلا أعلى تجتمع فيه فضائل الحياة الإنسانية التي يتحلى بها الفضلاء، وإنما كان ذلك كله بتدبير ربه الذي رباه على منهجه، وأدبه فأحسن تأديبه، وصقله في بوتقة الحياة، ضرائها وسرائها، وهذبه بتجاربها حتى خرج على الصورة الكاملة والأسوة الجامعة لفضائل الخلق العظيم.
وليس ثمة نبي غيره اجتمعت له كل هذه الجوانب من ممارسات الحياة كما اجتمعت له، ولهذا كان عليه السلام أكملهم جميعا في فضائل الأسوة الحسنة لأن دواعي الفضيلة تهيأت له وتكاملت فيه.
ولن تجد سجية من سجايا الفضل التي تحلي بها الأنبياء والمرسلون وتغياها الفضلاء والمصلحون، إلا وجدتها ممثلة فيه، لأنه مر بأدوارها وعاش مواقفها" .
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريبا منه فيما بقى لنا من سير الرسل السابقين ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين.
فموسى عليه السلام – يمثل زعيم الأمة الذي أنقذ أمته من العبودية، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها، ولكنا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو المربين أو السياسيين أو رؤساء الدول أو الآباء أو الأزواج مثلا، فضلا عن أننا لا نعرف شيئا قط عن طفولته وشبابه وطرق معيشته قبل النبوة وما عرفناه بعد النبوة فقليل.
وعيسى عليه السلام يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالا ولا داراً ولا متاعا، ولكنه في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيين – لا يمثل القائد المحارب ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج – لأنه لم يتزوج – ولا المشرع ولا غير ذلك، مما تمثله سيرة محمد صلى الله عليه وسلم.
والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم .
وصدق الله إذ يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب / 21 ].
فكان صلى الله عليه وسلم على هذا" أعمال مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العلمي الثابت المستقر، تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، وكانت نفسه صلى الله عليه وسلم أبلغ الأنفس قاطبة لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتألهين وجعلت في نصاب واحد ما بلغت أن يجئ منها مثل نفسه صلى الله عليه وسلم، ولكأنما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه، وهو النفس الاجتماعية الكبرى، من أين تدبرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحي.
صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
:: المصدر موقع شبكة السنة النبوية وعلومها ::
http://www.almeshkat.com/vb/images/slam.gif
أي إخوتي؛
رعاكُمُ الرّحمنُ -
http://www.alshamsi.net/thekr2.gif
التأسي به صلى الله عليه وسلم
إن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وألزم كل مسلم أن يسير على هديه، وأن يحذو حذوه، والسيرة تضمن لنا التعرف على ذلك من حياته صلى الله عليه وسلم، فهي السجل الحي الذي ينقل لنا الكلمة والحركة، والموقف من القضايا، والسلوك المتخذ إزاء الحوادث... فنكون على صلة بتصرفاته في تطبيقاتها العملية، لا أمام مجرد أوامر وتعليمات لم تلامس واقع الناس، ولم تتعرض لحرارة الاحتكاك به، مما يساعدنا على انتهاج مسلك الرشد وسلوك السبيل السوي الذي به النجاة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إن مشيئة الله شاءت أن تكون رسالة الإسلام هي منهج الحياة الذي أراد الله تعالى لعباده أن يسيروا على هديه، ولما كان ذلك كذلك، كان من رحمة الله بعباده أن جعل من مهمة حامل الرسالة " أن يؤديها بيانا عمليا في واقع الحياة، بكل ما في هذا الواقع من ملابسات ومفاجآت، حتى تكون " حياته " منارا لعباد الله في كل الظروف وعلى اختلاف الأيام.
وفي القرآن آيات كثيرة تبين هذا المعنى وتؤكده ومن ذلك، قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].
وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [ سورة آل عمران /31 ].
قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل).
ونحن كثيرا ما نستشهد بالآية الكريمة على ضرورة اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أموره، وفي كل عمل من أعماله، وفي كل شأنه من شئونه... بحيث تكون سيرته نصب عيني كل مسلم فيتأسى به ويسير على هديه.
وإذا علمنا أن هذه الآية نزلت في مناسبة غزوة الأحزاب.. علمنا أن هذا التأسي ليس قاصرا على قضايا السلم، بل هو إلزام في أوقات الأزمات، حيث يكون التأسي به صلى الله عليه وسلم ثباتا في الجأش، وقوة في الأعصاب، وصبرا جميلا في مواجهة المصاعب. وهذا هو الميدان الأول الذي نزلت الآية الكريمة في مواجهته.
قال صاحب الظلال: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان، وإن دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم، لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتطلب نفسه القدوة الطيبة، ويذكر الله ولا ينساه) .
وتؤكد آية (آل عمران) معنى ما جاءت به آية الأحزاب، وتضيف إليه: أن اتباعه صلى الله عليه وسلم والتأسي به، هو التعبير الصادق عن الحب لله تعالى، وهو بالتالي الوسيلة لحصول العبد على محبة الله تعالى له، وتلك هي الغاية التي يسعى إليها كل مسلم ومؤمن.
ولم يرد وصف الأسوة الحسنة على إطلاقها في القرآن الكريم إلا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء وذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].
وإنما كان وحده عليه السلام الذي تمثلت فيه الأسوة الكاملة المطلقة دون غيره من الأنبياء والمرسلين لأمور منها:
أولاً:
أن الرسل غيره كانوا رسلا قوميين، كل رسول منهم أرسل إلى جماعة خاصة محدودة الزمان والمكان، ولهذا جاءت الأسوة فيه وفق هذه الحدود وفي نطاقها، أما محمد عليه السلام فقد جاء رسولاً للعالمين، ورسالته عامة وباقية على امتداد الزمان والمكان، ولهذا وجب أن تكون الأسوة فيه مطلقة، تتكامل جوانبها ليجد فيها كل الناس مثلهم العليا على اختلاف قومياتهم، وامتداد بيئاتهم، وتوالي أجيالهم.
ثانيا:
أن حياة الرسل غير محمد حياة خافية في أكثر جوانبها السلوكية لا يعرف الناس الكثير منها حتى الخاصة منهم لأن اتباع الرسل لم يهتموا بتسجيل حياتهم، وتتبع مواقفها العامة والخاصة،وتسجيلها وحفظها ليجد الناس فيها أمثلة للأسوة في شتى مواقف الحياة.
أما حياة محمد عليه السلام فهي واضحة جلية مسجلة بكل نبضاتها وشتى مواقفها في مراحلها المتعاقبة منذ أن ولد وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وهي حياة حافلة بالجوانب المضيئة، وكل نبضة من نبضاتها هي مثل أعلى للأسوة الحسنة، يتأسى بها طلاب الفضيلة العالية والسجايا الإنسانية الرفيعة.
يقول مسلم هندي: "إن سيرته صلى الله عليه وسلم معروفة منذ نعومة أظافره إلى أن اختاره الله لجواره، لاسيما الفترة التي أدى فيها الرسالة، ولست أغالي إذا قلت: إنني أعرفه أكثر مما أعرف أبوي، ثم أليس من العجيب، أننا لا نجد فيما أثر عنه – على كثرته – إلا كل ما يدعو إلى الاحترام والإعجاب ؟!.
غيره من الأنبياء مضروب عليه حجاب من الغموض والأساطير، ولا نعرف من حياتهم اليومية إلا القليل، وما يحكي عنهم يشبه كلام الكهان"
ثالثا:
أن الرسل غير محمد لم يكتمل لواحد منهم تمثل الحياة في جميع جوانبها كما توفرت له عليه السلام، ولم تتهيأ مقتضيات الفضائل لواحد منهم كما تهيأت له، وليس فيهم من تعرض لممارسة ألوان النشاط البشري جميعا كما تعرض لها عليه السلام، فقد نشأ عليه السلام يتيما فقيرا، وعاش حياته مجاهدا، ومارس أنشطة الحياة البشرية راعيا وتاجرا، جنديا وقاضيا، داعيا ومعلما، وتقلب في أدوار الحياة زوجا، وأبا، وصديقا، وجارا، وسيدا، وحليفا.
ذاق مرارة الاضطهاد بين أهله، وذاق مرارة الاغتراب بعيدا عن أهله، عاش حياة الفاقة، ومسك بيديه مفاتيح الدنيا، تألب عليه الغريب والبعيد، ودان له السادة والأقوياء،وعاش الحرب هزيمة ونصرا، عرض نفسه على الأحياء فارا بدينه مهاجرا برسالته، عاش حياة العزة والمنعة سيدا مطاعا عزيز الجوار، لم يفته موقف من مواقف الحياة إلا وقد تمرس به فعايش الحياة في رحابتها وتشابك أحداثها وتعدد جوانب النشاط فيها، فخرج منها جميعا مثلا أعلى تجتمع فيه فضائل الحياة الإنسانية التي يتحلى بها الفضلاء، وإنما كان ذلك كله بتدبير ربه الذي رباه على منهجه، وأدبه فأحسن تأديبه، وصقله في بوتقة الحياة، ضرائها وسرائها، وهذبه بتجاربها حتى خرج على الصورة الكاملة والأسوة الجامعة لفضائل الخلق العظيم.
وليس ثمة نبي غيره اجتمعت له كل هذه الجوانب من ممارسات الحياة كما اجتمعت له، ولهذا كان عليه السلام أكملهم جميعا في فضائل الأسوة الحسنة لأن دواعي الفضيلة تهيأت له وتكاملت فيه.
ولن تجد سجية من سجايا الفضل التي تحلي بها الأنبياء والمرسلون وتغياها الفضلاء والمصلحون، إلا وجدتها ممثلة فيه، لأنه مر بأدوارها وعاش مواقفها" .
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريبا منه فيما بقى لنا من سير الرسل السابقين ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين.
فموسى عليه السلام – يمثل زعيم الأمة الذي أنقذ أمته من العبودية، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها، ولكنا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو المربين أو السياسيين أو رؤساء الدول أو الآباء أو الأزواج مثلا، فضلا عن أننا لا نعرف شيئا قط عن طفولته وشبابه وطرق معيشته قبل النبوة وما عرفناه بعد النبوة فقليل.
وعيسى عليه السلام يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالا ولا داراً ولا متاعا، ولكنه في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيين – لا يمثل القائد المحارب ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج – لأنه لم يتزوج – ولا المشرع ولا غير ذلك، مما تمثله سيرة محمد صلى الله عليه وسلم.
والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم .
وصدق الله إذ يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب / 21 ].
فكان صلى الله عليه وسلم على هذا" أعمال مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العلمي الثابت المستقر، تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، وكانت نفسه صلى الله عليه وسلم أبلغ الأنفس قاطبة لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتألهين وجعلت في نصاب واحد ما بلغت أن يجئ منها مثل نفسه صلى الله عليه وسلم، ولكأنما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه، وهو النفس الاجتماعية الكبرى، من أين تدبرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحي.
صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
:: المصدر موقع شبكة السنة النبوية وعلومها ::