سرآب العمر
02-26-2009, 06:01 AM
إنه الزمن ….. لغز الألغاز
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512930_l.jpg
"الزمن"، مفهوماً وتعريفاً وتصوُّراً، ليس بالشيء التي يَسْتَسْهِل عقل الإنسان الخوض فيه، وسَبْر أغواره، فهو ما زال لُغْزاً عسير الفهم والحل، ليس في الفلسفة والدين فحسب، وإنَّما في الفيزياء.
ومع أنَّ آينشتاين، وفي وجه آخر من وجوه عبقريته، قد حلَّ هذا اللغز، من حيث المبدأ والأساس، فإنَّ فَهْم، أو تمثُّل، هذا الحل ما زال من الصعوبة بمكان؛ ذلك لأنَّنا اعتدنا النظر إلى الزمن في طريقة تُعَسِّر، ولا تُيَسِّر، فَهْمنا وتَمثُّلنا لـ "الحل" الذي جاء به آينشتاين.
وفي قصَّة الخَلْق التوراتية لـ "الكون"، كان "الزمن" قبل أن يشرع الخالِق يَخْلق "الكون" في صورته التوراتية، فالأيَّام (الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، والسبت) كانت موجودة قبل أن يَخْلِق الله الأرض، التي في بعضٍ من هذه الأيَّام خلقها.
الجدل الديني، أو الديني ـ الفلسفي، في أمر "الزمن"، تطوَّر بعض الشيء، بعد مئات السنين من إنشاء قصة الخَلْق التوراتية، فكان السؤال الذي بُذِل كثيرٌ من الجهد والوقت من أجل إجابته هو: "هل الزمن مخلوق، خلقه الله كما خَلَق سائر الأشياء؟".
الإجابة استعصت؛ لأنَّ بعضاً من النصوص الدينية كانت في منتهى الوضوح في حديثها عن "الزمن الإلهي"، فثمَّة "يومٌ عند الله"، وهذا اليوم يفوق في حجمه الزمني اليوم عند البشر.
الماركسية، بفلسفتها "المادية"، وبمنهجها الجدلي (الدياليكتيكي) الذي حلَّ على خير وجه التناقض في العلاقة بين "المُطْلَق" و"النسبي"، فَهِمَت "الزمن" على أنَّه، كـ "الحركة"، جزء لا يتجزأ من وجود المادة، التي تتحرَّك دائماً في "المكان" و"الزمان". وقد اشتملت تلك الفلسفة على أفكارٍ تسمح لها، أي لتلك الفلسفة، بأن تكون على وفاق أساسي وجوهري مع مفهوم الزمن كما أنشأه وطوَّره آينشتاين.
سؤال "هل الزمن مخلوق؟"، أجابت عنه إجابة قاطعة نظرية "الانفجار العظيم" Big Bang إذ صوَّرت هذا "الانفجار" على أنَّه "خالِق الزمن"، فـ "قَبْلَهُ"، أي "قَبْل" هذا "الانفجار"، لم يكن لـ "الزمن" من وجود. لقد فَهِمَتْ هذه النظرية الكوزمولوجية الكون على أنَّه شيء لم ينشأ في الزمن، ففي ذلك "الشيء" Singularity الذي منه انبثق الكون بقوَّة "الانفجار العظيم" لم يكن من وجود للزمن، كما لم يكن من وجود للفضاء.
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512927_l.jpg
آينشتاين، في سعيه إلى حلِّ لُغْز "الزمن"، توصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "الزمن" هو "البُعْد الرابع"، الذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أبعاد المكان الثلاثة (الطول، والعرض، والارتفاع).
وعليه، ما عاد ممكناً أن نتصوَّر "المكان" و"الزمان" على أنَّهما شيئان منفصلان، فاتحادهما الذي لا انفصام فيه عُبِّر عنه لغوياً بمصطلح "الزمان ـ المكان (= "الزمكان")" Space – Time.
"الشيء" Object إنَّما هو "المادة في وجودها الشيئي (الجسماني)"، أي المُحَدَّد، المُعَيَّن، الملموس، المحسوس. وفي الكون، ليس من وجود إلاَّ لـ "الأشياء"، التي بتأثيرها في حواسِّنا الخمس، نُدْرِك وجودها إدراكاً حسِّياً مباشِراً.
وهذا القول لا ينقضه وجود أشياء لا يُمْكننا أن نُدْرِك وجودها إدراكاً حسِّياً مباشِراً، كأن نرى جسيم "الإلكترون" بالعين المجرَّدة. والفيزياء لديها الآن من الأدوات والوسائل والأساليب ما يسمح لنا بتأكيد، أو نفي، وجود شيء ما.
وفي لغة فلسفية، أقول في شأن الإدراك الحسِّي المباشِر للأشياء بـ "حاسة البصر" إنَّ هذا الإدراك يُمْكِن ويجب أن يُفْهَم ويُفسَّر على أنَّه نتيجة "تأثير متبادل"، أو "تفاعل (فيزيائي، طبيعي، مادي)"، بين "مادة معيَّنة (= الضوء)"، تنطلق من الشيء وبين "العين ـ الدماغ". ولو ظلَّت هذه "المادة" حبيسة في داخل ذلك الشيء، أو في حالٍ تَحُول بينها وبين الوصول إلى "العين ـ الدماغ"، لَمَا أصبح "الشيء" مرئياً، ولَسَعَيْنا في الاستدلال على وجوده (الموضوعي) من خلال ما يُحْدِثُه في أشياء أُخرى (في جواره على وجه الخصوص) من تأثير وتغيير محسوسين. ولكم أن تتخيَّلوا النتيجة المترتِّبة على انطلاق تلك "المادة (= الضوء)" من شيء ما، مع بقائها تدور حَوْله، أي مع بقائها عاجزة عن السير في الفضاء حتى تصل إلى "العين ـ الدماغ". لو حَدَثَ ذلك لَمَا تمكَّنَّا أبداً من رؤية هذا الشيء، ولا من رؤية حتى تلك "المادة"، أي الضوء الذي "كُتِبَ عليه" أن يظلَّ يدور حَوْله.
في الكون، تُوْجَد "الأشياء (أو الأجسام والجسيمات)" فحسب، كالنجم، والكوكب، والنهر، والجَبَل، والبرتقالة، .. إلخ.
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512928_l.jpg
وفي مزيدٍ من التعيين والتحديد، نقول إنَّ العام، أو المجرَّد، من الأشياء لا وجود له البتَّة، فليس من وجود (في الواقع الموضوعي) لـ "النجم العام"، أو لـ "النهر العام". "الفَرْد" من الأشياء هو ما يُوْجَد فحسب، في الواقع الموضوعي، فالنجم الموجود إنَّما هو "الشمس" مثلاً؛ والنهر الموجود إنَّما هو "النيل" مثلاً، وإنْ كان "المفهوم" يَعْكِس ويُصوِّر "العام" من الأشياء، والذي هو "الجوهر" غير المُدْرَك إدراكاً حسِّياً مباشِراً.
"الشيء"، في معناه هذا، ينشأ في الزمان، ويزول في الزمان، فكل شيء له "لحظة نشوء"، و"لحظة زوال". إنَّ "الشيء ـ الفَرْد" لا يُمْكنه أبداً أن يكون خالداً، أو أزلياً ـ أبدياً، أو سرمدياً. إنَّه ينشأ ليزول حتماً.
بين نشوئه وزواله "يتغيَّر" الشيء، وينبغي له أن يتغيَّر، فليس من شيء نشأ، فزال؛ ولكن من غير أن يعتريه أي تغيير (بين نشوئه وزواله). على أنَّ لحظة نشوء الشيء، ولحظة زواله، لا يُمْكِن النظر إليهما على أنَّهما "جزء من التغيير الذي يعتري الشيء (حتماً)"، فالتغيُّر الذي يعتري الشيء (بين لحظتي نشوئه وزواله) إنَّما هو كلُّ (وأقلُّ) اختلاف (= تغيير) يطرأ على الشيء.
و"الزمن" إنَّما هو صنو "التغيير"، فلو كانت الأشياء "تتجاور"، ولا "تتعاقب"، على استحالة ذلك، لَوُجِدَ كَوْنٌ فيه "مكان"، وليس فيه "زمان". وكل تغيير يعتري الشيء يجب أن يَسْتَغْرِق زمناً، قصيراً كان أم طويلاً، فهذه الكرة التي تحرَّكت على هذا السطح إذ دَفَعْتَها بيدكَ يجب أن تتوقَّف عن الحركة بَعْد 50 ثانية مثلاً. إنَّ هذا التغيير (توقُّف هذه الكرة عن الحركة) لا يَسْتَغْرِق زمناً يقاس (في عالمنا الأرضي) بالساعات أو الأيَّام. و"الحَدَثُ"، في هذا المثال، إنَّما "يبدأ" بتحرُّك تلك الكرة، و"ينتهي" بتوقُّفها عن الحركة، فليس من "حَدَثٍ" إلاَّ وله بداية ونهاية في الزمان. وكلَّما قلَّ الزمن الذي يستغرقه الحَدَث، لسبب ما، أي كلَّما ضاقت وتقلَّصت "المسافة الزمنية" بين بدء الحَدَث وانتهائه، زادت "سرعة التغيير (أو التطوُّر)".
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512919_l.jpg
"الزمن" إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله.
لِنَعُدْ إلى مثال الكرة، فأنا أريد أن أقيس زمن التغيير الذي طرأ عليها (أي توقُّفها عن الحركة) بمقياس آخر، هو "قلبي النابض". وبحسب هذا المقياس، اسْتَغْرَق هذا التغيير زمناً مقداره 60 نبضة. وعليه، يُمْكنني أن اتَّخِذَ من "قلبي النابض" ساعة أخرى أقيس بها زمن التغيير.
وفي الطبيعة أنماط كثيرة من الساعات، فكل شيء يَعْرِف "تغييراً منتظَماً" يُمْكِن اتِّخاذه ساعةً نقيس بها الزمن الذي يستغرقه التغيير في سائر الأشياء. و"مقياس الزمن" إنَّما هو أن يُقاس معدَّل التغيُّر في جسم ما (كمعدَّل نبضات قلب إنسان حي) نِسْبَةً إلى "تغيُّر منتظَم" في جسم آخر (دقَّات الساعة مثلاً). ولو أنَّ نَبْض قلبي يتسارَع تارةً، ويتباطأ طوراً، لَمَا اسْتَطَعْتُ أن اتَّخِذ منه ساعة، فـ "الساعة" يجب أن تكون "تغييراً منتظَماً".
أمْعِنْ النظر في "الزمان"، فتَجِد أنَّه كل تغيير تُرْجِم بتغيير في "المكان"، الذي له ثلاثة أبعاد، فـ "الدقيقة الواحدة"، وفي معنى من معانيها المكانية، إنَّما هي مسافة معيَّنة يقطعها كوكب الأرض في دورانه حَوْل الشمس. و"القلب النابض" إنَّما هو القلب المخْتَلِف "حجماً".
إنَّ "الفَرْق في الزمان" هو الوجه الآخر لـ "الفَرْق في المكان"، فليس من "فَرْق في الزمان" لا يَقْتَرِن بفَرْق في "الطول"، أو "العرض"، أو "الارتفاع"، أو الحجم، أو "المسافة"، أي بـ "فَرْق في المكان". وليس من فَرْق في المكان والزمان لا يُنْتِجه "تغيير آخر" يعتري الشيء.
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512930_l.jpg
"الزمن"، مفهوماً وتعريفاً وتصوُّراً، ليس بالشيء التي يَسْتَسْهِل عقل الإنسان الخوض فيه، وسَبْر أغواره، فهو ما زال لُغْزاً عسير الفهم والحل، ليس في الفلسفة والدين فحسب، وإنَّما في الفيزياء.
ومع أنَّ آينشتاين، وفي وجه آخر من وجوه عبقريته، قد حلَّ هذا اللغز، من حيث المبدأ والأساس، فإنَّ فَهْم، أو تمثُّل، هذا الحل ما زال من الصعوبة بمكان؛ ذلك لأنَّنا اعتدنا النظر إلى الزمن في طريقة تُعَسِّر، ولا تُيَسِّر، فَهْمنا وتَمثُّلنا لـ "الحل" الذي جاء به آينشتاين.
وفي قصَّة الخَلْق التوراتية لـ "الكون"، كان "الزمن" قبل أن يشرع الخالِق يَخْلق "الكون" في صورته التوراتية، فالأيَّام (الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، والسبت) كانت موجودة قبل أن يَخْلِق الله الأرض، التي في بعضٍ من هذه الأيَّام خلقها.
الجدل الديني، أو الديني ـ الفلسفي، في أمر "الزمن"، تطوَّر بعض الشيء، بعد مئات السنين من إنشاء قصة الخَلْق التوراتية، فكان السؤال الذي بُذِل كثيرٌ من الجهد والوقت من أجل إجابته هو: "هل الزمن مخلوق، خلقه الله كما خَلَق سائر الأشياء؟".
الإجابة استعصت؛ لأنَّ بعضاً من النصوص الدينية كانت في منتهى الوضوح في حديثها عن "الزمن الإلهي"، فثمَّة "يومٌ عند الله"، وهذا اليوم يفوق في حجمه الزمني اليوم عند البشر.
الماركسية، بفلسفتها "المادية"، وبمنهجها الجدلي (الدياليكتيكي) الذي حلَّ على خير وجه التناقض في العلاقة بين "المُطْلَق" و"النسبي"، فَهِمَت "الزمن" على أنَّه، كـ "الحركة"، جزء لا يتجزأ من وجود المادة، التي تتحرَّك دائماً في "المكان" و"الزمان". وقد اشتملت تلك الفلسفة على أفكارٍ تسمح لها، أي لتلك الفلسفة، بأن تكون على وفاق أساسي وجوهري مع مفهوم الزمن كما أنشأه وطوَّره آينشتاين.
سؤال "هل الزمن مخلوق؟"، أجابت عنه إجابة قاطعة نظرية "الانفجار العظيم" Big Bang إذ صوَّرت هذا "الانفجار" على أنَّه "خالِق الزمن"، فـ "قَبْلَهُ"، أي "قَبْل" هذا "الانفجار"، لم يكن لـ "الزمن" من وجود. لقد فَهِمَتْ هذه النظرية الكوزمولوجية الكون على أنَّه شيء لم ينشأ في الزمن، ففي ذلك "الشيء" Singularity الذي منه انبثق الكون بقوَّة "الانفجار العظيم" لم يكن من وجود للزمن، كما لم يكن من وجود للفضاء.
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512927_l.jpg
آينشتاين، في سعيه إلى حلِّ لُغْز "الزمن"، توصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "الزمن" هو "البُعْد الرابع"، الذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أبعاد المكان الثلاثة (الطول، والعرض، والارتفاع).
وعليه، ما عاد ممكناً أن نتصوَّر "المكان" و"الزمان" على أنَّهما شيئان منفصلان، فاتحادهما الذي لا انفصام فيه عُبِّر عنه لغوياً بمصطلح "الزمان ـ المكان (= "الزمكان")" Space – Time.
"الشيء" Object إنَّما هو "المادة في وجودها الشيئي (الجسماني)"، أي المُحَدَّد، المُعَيَّن، الملموس، المحسوس. وفي الكون، ليس من وجود إلاَّ لـ "الأشياء"، التي بتأثيرها في حواسِّنا الخمس، نُدْرِك وجودها إدراكاً حسِّياً مباشِراً.
وهذا القول لا ينقضه وجود أشياء لا يُمْكننا أن نُدْرِك وجودها إدراكاً حسِّياً مباشِراً، كأن نرى جسيم "الإلكترون" بالعين المجرَّدة. والفيزياء لديها الآن من الأدوات والوسائل والأساليب ما يسمح لنا بتأكيد، أو نفي، وجود شيء ما.
وفي لغة فلسفية، أقول في شأن الإدراك الحسِّي المباشِر للأشياء بـ "حاسة البصر" إنَّ هذا الإدراك يُمْكِن ويجب أن يُفْهَم ويُفسَّر على أنَّه نتيجة "تأثير متبادل"، أو "تفاعل (فيزيائي، طبيعي، مادي)"، بين "مادة معيَّنة (= الضوء)"، تنطلق من الشيء وبين "العين ـ الدماغ". ولو ظلَّت هذه "المادة" حبيسة في داخل ذلك الشيء، أو في حالٍ تَحُول بينها وبين الوصول إلى "العين ـ الدماغ"، لَمَا أصبح "الشيء" مرئياً، ولَسَعَيْنا في الاستدلال على وجوده (الموضوعي) من خلال ما يُحْدِثُه في أشياء أُخرى (في جواره على وجه الخصوص) من تأثير وتغيير محسوسين. ولكم أن تتخيَّلوا النتيجة المترتِّبة على انطلاق تلك "المادة (= الضوء)" من شيء ما، مع بقائها تدور حَوْله، أي مع بقائها عاجزة عن السير في الفضاء حتى تصل إلى "العين ـ الدماغ". لو حَدَثَ ذلك لَمَا تمكَّنَّا أبداً من رؤية هذا الشيء، ولا من رؤية حتى تلك "المادة"، أي الضوء الذي "كُتِبَ عليه" أن يظلَّ يدور حَوْله.
في الكون، تُوْجَد "الأشياء (أو الأجسام والجسيمات)" فحسب، كالنجم، والكوكب، والنهر، والجَبَل، والبرتقالة، .. إلخ.
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512928_l.jpg
وفي مزيدٍ من التعيين والتحديد، نقول إنَّ العام، أو المجرَّد، من الأشياء لا وجود له البتَّة، فليس من وجود (في الواقع الموضوعي) لـ "النجم العام"، أو لـ "النهر العام". "الفَرْد" من الأشياء هو ما يُوْجَد فحسب، في الواقع الموضوعي، فالنجم الموجود إنَّما هو "الشمس" مثلاً؛ والنهر الموجود إنَّما هو "النيل" مثلاً، وإنْ كان "المفهوم" يَعْكِس ويُصوِّر "العام" من الأشياء، والذي هو "الجوهر" غير المُدْرَك إدراكاً حسِّياً مباشِراً.
"الشيء"، في معناه هذا، ينشأ في الزمان، ويزول في الزمان، فكل شيء له "لحظة نشوء"، و"لحظة زوال". إنَّ "الشيء ـ الفَرْد" لا يُمْكنه أبداً أن يكون خالداً، أو أزلياً ـ أبدياً، أو سرمدياً. إنَّه ينشأ ليزول حتماً.
بين نشوئه وزواله "يتغيَّر" الشيء، وينبغي له أن يتغيَّر، فليس من شيء نشأ، فزال؛ ولكن من غير أن يعتريه أي تغيير (بين نشوئه وزواله). على أنَّ لحظة نشوء الشيء، ولحظة زواله، لا يُمْكِن النظر إليهما على أنَّهما "جزء من التغيير الذي يعتري الشيء (حتماً)"، فالتغيُّر الذي يعتري الشيء (بين لحظتي نشوئه وزواله) إنَّما هو كلُّ (وأقلُّ) اختلاف (= تغيير) يطرأ على الشيء.
و"الزمن" إنَّما هو صنو "التغيير"، فلو كانت الأشياء "تتجاور"، ولا "تتعاقب"، على استحالة ذلك، لَوُجِدَ كَوْنٌ فيه "مكان"، وليس فيه "زمان". وكل تغيير يعتري الشيء يجب أن يَسْتَغْرِق زمناً، قصيراً كان أم طويلاً، فهذه الكرة التي تحرَّكت على هذا السطح إذ دَفَعْتَها بيدكَ يجب أن تتوقَّف عن الحركة بَعْد 50 ثانية مثلاً. إنَّ هذا التغيير (توقُّف هذه الكرة عن الحركة) لا يَسْتَغْرِق زمناً يقاس (في عالمنا الأرضي) بالساعات أو الأيَّام. و"الحَدَثُ"، في هذا المثال، إنَّما "يبدأ" بتحرُّك تلك الكرة، و"ينتهي" بتوقُّفها عن الحركة، فليس من "حَدَثٍ" إلاَّ وله بداية ونهاية في الزمان. وكلَّما قلَّ الزمن الذي يستغرقه الحَدَث، لسبب ما، أي كلَّما ضاقت وتقلَّصت "المسافة الزمنية" بين بدء الحَدَث وانتهائه، زادت "سرعة التغيير (أو التطوُّر)".
http://amjad68.jeeran.com/photos/1512919_l.jpg
"الزمن" إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله.
لِنَعُدْ إلى مثال الكرة، فأنا أريد أن أقيس زمن التغيير الذي طرأ عليها (أي توقُّفها عن الحركة) بمقياس آخر، هو "قلبي النابض". وبحسب هذا المقياس، اسْتَغْرَق هذا التغيير زمناً مقداره 60 نبضة. وعليه، يُمْكنني أن اتَّخِذَ من "قلبي النابض" ساعة أخرى أقيس بها زمن التغيير.
وفي الطبيعة أنماط كثيرة من الساعات، فكل شيء يَعْرِف "تغييراً منتظَماً" يُمْكِن اتِّخاذه ساعةً نقيس بها الزمن الذي يستغرقه التغيير في سائر الأشياء. و"مقياس الزمن" إنَّما هو أن يُقاس معدَّل التغيُّر في جسم ما (كمعدَّل نبضات قلب إنسان حي) نِسْبَةً إلى "تغيُّر منتظَم" في جسم آخر (دقَّات الساعة مثلاً). ولو أنَّ نَبْض قلبي يتسارَع تارةً، ويتباطأ طوراً، لَمَا اسْتَطَعْتُ أن اتَّخِذ منه ساعة، فـ "الساعة" يجب أن تكون "تغييراً منتظَماً".
أمْعِنْ النظر في "الزمان"، فتَجِد أنَّه كل تغيير تُرْجِم بتغيير في "المكان"، الذي له ثلاثة أبعاد، فـ "الدقيقة الواحدة"، وفي معنى من معانيها المكانية، إنَّما هي مسافة معيَّنة يقطعها كوكب الأرض في دورانه حَوْل الشمس. و"القلب النابض" إنَّما هو القلب المخْتَلِف "حجماً".
إنَّ "الفَرْق في الزمان" هو الوجه الآخر لـ "الفَرْق في المكان"، فليس من "فَرْق في الزمان" لا يَقْتَرِن بفَرْق في "الطول"، أو "العرض"، أو "الارتفاع"، أو الحجم، أو "المسافة"، أي بـ "فَرْق في المكان". وليس من فَرْق في المكان والزمان لا يُنْتِجه "تغيير آخر" يعتري الشيء.